من يصنع ذوقنا؟ عندما تتحول الموضة إلى قطيع من المقلّدين
2026-11-08

ترجمة

 

هل سبق أن تأملت وجوه الناس في الشوارع، ثم شعرت لوهلة أنك تشاهد نسخاً متعددة من وجه واحد؟ الحواجب العريضة الكثيفة، والشعر المصمم بالطريقة نفسها، والملابس المتشابهة، وحتى تعبيرات الوجه التي تبدو وكأنها خرجت من قالب تجميلي واحد!

قد تبدو المسألة بسيطة، وربما لا تستحق أكثر من ابتسامة عابرة، لكن خلفها ظاهرة اجتماعية وثقافية تستحق التأمل: كيف تتحول أذواقنا الشخصية إلى أذواق جماعية؟ ومن يقرر أصلاً ما الذي ينبغي أن نراه جميلاً؟

 

صيحة تبدأ من مكان ما... وتنتهي في كل مكان

في مكان ما من العالم، يقرر مصمم أزياء أو خبير تجميل أو أحد المشاهير أن مظهراً معيناً يستحق التجربة. تظهر الفكرة على منصة عرض، أو في جلسة تصوير، أو عبر حساب يحظى بملايين المتابعين.

ثم تبدأ الرحلة.

تلتقطها وسائل الإعلام، وتعيد منصات التواصل الاجتماعي نشرها، ويتبناها المؤثرون، وتتحول تدريجياً إلى صيحة رائجة. وبعد فترة قصيرة، نجد أنفسنا أمام ملايين الأشخاص الذين يتبنون المظهر نفسه، وكأن اتفاقاً عالمياً غير معلن قد صدر بشأن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان في هذا الموسم.

خذ الحواجب مثالاً. لم يعد الأمر مقتصراً على ترتيبها بما يتناسب مع ملامح الوجه، بل ظهرت صيحات الحواجب العريضة والكثيفة والممشطة إلى الأعلى، حتى أصبحت بعض الوجوه تبدو وكأن حاجبيها يسبقان بقية ملامحها إلى الحضور!

المشكلة ليست في شكل الحاجب بحد ذاته، وإنما في افتراض أن ما يبدو جذاباً على شخص ما لا بد أن يكون جذاباً على الجميع.

 

وهم التميز... والتشابه الجماعي

المفارقة المدهشة في عالم الموضة أن كثيراً من الناس يتبعون الصيحات بحثاً عن التميز، لكن النتيجة غالباً هي التشابه.

يريد الفرد أن يبدو مختلفاً، فيختار المظهر الذي يخبره الجميع بأنه عصري ومميز، ثم يكتشف أنه أصبح يشبه آلاف الأشخاص الذين اتخذوا القرار نفسه!

وهنا تظهر إحدى الآليات النفسية المعروفة باسم التأثير الاجتماعي؛ إذ يميل الإنسان إلى تقليد الجماعة، خصوصاً عندما لا يكون متأكداً من اختياراته، أو عندما يرى أن عدداً كبيراً من الأشخاص يتبنون سلوكاً معيناً.

فانتشار صيحة ما لا يعني بالضرورة أنها جميلة أو مناسبة، لكنه يمنحها نوعاً من الشرعية الاجتماعية. ومع تكرار مشاهدتها، قد يبدأ العقل في التعامل معها بوصفها معياراً جمالياً مألوفاً، وربما مرغوباً.

وهكذا لا يعود السؤال: هل يعجبني هذا المظهر؟ بل يصبح: هل هذا هو المظهر الرائج الآن؟

 

صناعة الموضة ليست بريئة تماماً

لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون النظر إلى الجانب التجاري.

فصناعة الموضة والتجميل تقوم، في جزء كبير منها، على تجديد الرغبات باستمرار. لا يكفي أن تشتري منتجاً اليوم؛ ينبغي أن يظهر غداً منتج آخر، وأن تتغير المعايير، وأن تشعر بأن ما كنت تراه جميلاً بالأمس أصبح قديماً اليوم.

إنها دورة اقتصادية متجددة: ابتكار صيحة، وتضخيم حضورها، وتحويلها إلى رغبة استهلاكية، ثم استبدالها بصيحة جديدة.

وتؤدي منصات التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في هذه الدورة. فالخوارزميات تميل إلى عرض المحتوى الذي يحقق التفاعل، ومع تكرار ظهور نمط معين، يصبح أكثر حضوراً وتأثيراً في إدراكنا لما هو شائع ومقبول.

لكن ينبغي ألا نخلط بين الانتشار والجودة، أو بين كثرة المقلدين والقيمة الجمالية.

 

أين اختفى الذوق الشخصي؟

ليس المطلوب أن نرفض الموضة، أو أن نتمسك بمظهر واحد طوال حياتنا. التجديد جزء طبيعي من الحياة، والإنسان بطبيعته يحب التغيير والتجربة.

لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن تختار مظهراً لأنك تراه جميلاً ويناسبك، وبين أن تتبناه لمجرد أنه أصبح رائجاً.

فالذوق الشخصي ليس مجرد القدرة على اختيار الملابس أو مستحضرات التجميل، بل هو القدرة على التمييز، ومعرفة ما يناسب ملامحك وشخصيتك، وما لا يناسبك، حتى لو كان آخر صيحات الموضة.

ليس كل ما هو شائع جميلاً، وليس كل ما هو قديم متجاوزاً، وليس من الضروري أن نبدو جميعاً وكأننا خرجنا من صالون التجميل نفسه.

 

لا تكن نسخة من صيحة عابرة

ربما يكون أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمظهره هو الاحتفاظ بشيء من استقلاليته.

جرّب، وجدّد، واستمتع بالموضة، لكن لا تسلّمها مفاتيح ذوقك. لا تجعل إعلاناً تجارياً أو منشوراً لمؤثر يقرر لك كيف ينبغي أن يبدو وجهك، ولا تفترض أن ما يناسب المشاهير يناسبك بالضرورة.

فالجمال لا يحتاج إلى إجماع جماعي، والتميز لا يتحقق بتكرار ما يفعله الآخرون.

وفي النهاية، لعل السؤال الأهم ليس: ما صيحة الموضة القادمة؟

بل: هل ما زلنا نملك ذوقاً خاصاً بنا، أم أننا ننتظر كل صباح أن يخبرنا أحدهم كيف ينبغي أن نبدو؟

 

 

 

   
   
 
الوسوم: موضة


لا يوجد تعليقات
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
500حرف