البربرين وتأثيره على السكري وإنقاص الوزن
2026-08-31

ترجمة

 

«البربرين» هو الاسم المتداول في بعض أسواق العطارة والمنتجات الطبيعية لثمار صغيرة حمراء تُباع مجففة، والمعروفة على نطاق واسع باسم الغوجي (Goji berry)، أو العوسج ببعض الدول العربية، والمرتبطة أساساً بنبات Lycium barbarum. وقد اكتسبت هذه الثمار شهرة متزايدة بسبب ما يُنسب إليها من فوائد صحية، ولا سيما قدرتها المزعومة على خفض سكر الدم والمساعدة في إنقاص الوزن.

وهنا ينبغي توضيح مسألة تسمية مهمة منذ البداية: البربرين Berberine بالمعنى العلمي ليس اسم هذه الثمرة، بل هو مركب قلوي نباتي مختلف يوجد في نباتات من أجناس أخرى، ولا سيما Berberis. أما «البربرين» الذي يقصد به بعض الباعة هذه الثمار فهو اسم متداول تجارياً أو شعبياً، وليس الاسم العلمي للنبات.

وتكمن أهمية الموضوع في أن الغوجي ليس مجرد مادة تُنسب إليها فوائد تقليدية؛ فقد دُرست بعض مكوناته في تجارب مخبرية وحيوانية، كما أُجريت عليه تجارب سريرية بشرية بحثت تأثيره في سكر الدم، وحساسية الإنسولين، والدهون، ووزن الجسم ومحيط الخصر. لكن السؤال الأهم هو: هل تكفي هذه الأدلة فعلاً للقول إن الغوجي يخفض السكر أو يساعد على إنقاص الوزن؟

في هذا المقال نستعرض الأدلة العلمية المتاحة، ونفصل بين النتائج المثبتة، والنتائج الأولية، والادعاءات التسويقية التي تجاوزت ما تسمح به الدراسات.

 

ما الذي يحتويه الغوجي؟

تحتوي ثمار الغوجي على مجموعة متنوعة من المركبات النشطة حيوياً، ويُعد عديد السكاريد الخاص بالغوجي (Lycium barbarum polysaccharides – LBP) من أكثر مكوناته دراسة. كما تحتوي الثمار على الكاروتينات، والبوليفينولات، ومركبات أخرى ذات نشاط مضاد للأكسدة.

وقد أظهرت الدراسات المخبرية والحيوانية تأثيرات محتملة لهذه المركبات على الالتهاب، والإجهاد التأكسدي، وحساسية الإنسولين، واستقلاب الغلوكوز والدهون. لكن هذه النتائج لا يمكن نقلها مباشرة إلى الإنسان؛ فالتأثير الذي يظهر في الخلايا أو الحيوانات لا يعني بالضرورة وجود تأثير علاجي مهم عند البشر.

 

هل يخفض الغوجي سكر الدم؟ 

هنا توجد بعض الأدلة البشرية، وإن كانت محدودة.

في تجربة سريرية عشوائية مزدوجة التعمية شملت 67 مريضاً بالسكري من النوع الثاني، دُرس تأثير عديدات السكاريد المستخلصة من Lycium barbarum لمدة ثلاثة أشهر. وجدت الدراسة انخفاضاً في بعض مؤشرات الغلوكوز وتحسناً في مؤشر إفراز الإنسولين، إضافة إلى بعض التأثيرات على دهون الدم. لكن الباحثين أنفسهم أشاروا إلى أن حجم العينة صغير ومدة المتابعة قصيرة، ولذلك لا تكفي النتائج لإثبات فعالية علاجية مستقلة.

كما أجرت مراجعة منهجية وتحليل تلوي لسبع تجارب عشوائية شملت 548 شخصاً. ووجد التحليل انخفاضاً متوسطاً في سكر الدم الصيامي بنحو:

6.5 mg/dL (0.36 mmol/L)

مع تناول مستحضرات Lycium barbarum. إلا أن التحليل لم يجد فائدة واضحة في وزن الجسم، كما أن التأثيرات على الكوليسترول وثلاثي الغليسريد لم تصل إلى دلالة إحصائية واضحة.

وهنا تظهر نقطة مهمة: وجود فرق إحصائي لا يعني بالضرورة أن الفرق كبير بما يكفي ليكون ذا أهمية علاجية كبيرة.

فانخفاض سكر الصيام بنحو 6.5 mg/dL، حتى لو ثبت في دراسات أكبر، لا يمكن مقارنته بتأثير الأدوية المضادة للسكري المعتمدة، ولا يبرر استبدال العلاج الدوائي بالغوجي.

 

هل يمكن أن يفيد مرضى السكري؟

يمكن النظر إلى الغوجي باعتباره جزءاً من النظام الغذائي وليس علاجاً للسكري.

فالإنسان المصاب بالسكري يستطيع تناول كمية معتدلة من الفواكه المجففة ضمن حساب إجمالي الكربوهيدرات والسعرات في غذائه. لكن الخطأ هو افتراض أن امتلاك الغوجي بعض التأثيرات المحتملة على استقلاب الغلوكوز يجعل السكر الموجود فيه «مختلفاً» عن السكر الموجود في بقية الفواكه المجففة.

بل إن تجفيف الفاكهة يؤدي إلى تركيز السكريات والسعرات في حجم أصغر.

لذلك فإن تناول كميات كبيرة من الغوجي المجفف بهدف خفض السكر قد يؤدي paradoxically إلى زيادة الوارد من الكربوهيدرات والسعرات بدلاً من تحقيق الفائدة المنشودة.

 

وماذا عن إنقاص الوزن؟

هنا تصبح الدعاية التجارية أكثر مبالغة من الدليل العلمي.

هناك دراسة صغيرة جداً أجريت على أشخاص زائدي الوزن بحثت تأثير عصير Lycium barbarum في الاستقلاب ومحيط الخصر. ووجد الباحثون زيادة قصيرة الأمد في استهلاك الطاقة وانخفاضاً في محيط الخصر خلال تدخل استمر 14 يوماً. لكن الدراسة كانت صغيرة للغاية؛ إذ كان عدد المشاركين في تجربة محيط الخصر 29 شخصاً فقط، كما أن التدخل كان قصير المدة.

وفي دراسة أخرى على أشخاص مصابين بمتلازمة الأيض، أدى تناول الغوجي لمدة 45 يوماً إلى انخفاض متوسط محيط الخصر بنحو 6.3 سم، بينما لم يحدث تغير مهم في وزن الجسم أو مؤشر كتلة الجسم.

هذه النتائج مثيرة للاهتمام، لكنها لا تكفي للقول إن الغوجي «يحرق الدهون».

بل إن تجارب بشرية أخرى كانت أكثر تحفظاً. ففي تجربة عشوائية استمرت 16 أسبوعاً، لم تظهر تغيرات واضحة في مؤشر كتلة الجسم أو محيط الخصر لدى المشاركين الذين تناولوا الغوجي ضمن نمط غذائي صحي.

كما أن دراسة أحدث بحثت تأثير جرعة واحدة مقدارها 25 غراماً من الغوجي المجفف في استهلاك الطاقة بعد الطعام لدى رجال زائدي الوزن، ولم تجد تغيراً مهماً في أكسدة الدهون أو السكريات أو بعض مؤشرات استقلاب الدهون.

إذن، لا توجد حالياً أدلة سريرية قوية تسمح باعتبار الغوجي وسيلة لإنقاص الوزن.

 

لماذا تظهر نتائج مضادة للسمنة في الدراسات المخبرية؟

هذا جانب مهم لفهم المسألة.

أظهرت تجارب حيوانية أن بعض عديدات السكاريد الموجودة في الغوجي يمكن أن تؤثر في استقلاب الدهون، وحساسية الإنسولين، والميكروبيوم المعوي. وفي إحدى الدراسات أدى مستخلص محدد من عديدات السكاريد إلى تخفيف السمنة الناجمة عن النظام الغذائي عالي الدهون لدى الفئران، مع تغيرات في تركيب الميكروبيوم وإنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة.

لكن الفأر ليس إنساناً.

والجرعات المستخدمة في الدراسات الحيوانية والمستخلصات المنقاة لا تعادل بالضرورة كمية الثمار التي يستطيع الإنسان تناولها كغذاء. لذلك لا يصح استخدام هذه الدراسات لإثبات أن حفنة من الغوجي ستؤدي إلى إنقاص الوزن.

 

هل الغوجي «يحرق السعرات»؟

هذه العبارة منتشرة، لكنها غير دقيقة.

بعض الدراسات الصغيرة وجدت زيادة عابرة في استهلاك الطاقة بعد تناول الغوجي، لكن هذا لا يعني وجود تأثير مستمر يؤدي إلى فقدان الدهون على المدى الطويل.

فإنقاص كيلوغرامات من الدهون يتطلب تغيراً مستمراً في توازن الطاقة، وليس ارتفاعاً بسيطاً ومؤقتاً في الاستقلاب بعد وجبة واحدة.

ولهذا فإن القول إن الغوجي «يرفع معدل الحرق» ثم الاستنتاج من ذلك أنه يساعد على إنقاص الوزن هو استنتاج يتجاوز الأدلة المتاحة.

 

هل الغوجي مفيد للقلب والدهون؟

الأدلة هنا أيضاً واعدة لكنها غير حاسمة.

وجد تحليل تلوي لتجارب عشوائية بعض الإشارات إلى تحسن في سكر الدم، بينما لم تكن التأثيرات على الكوليسترول الكلي وثلاثي الغليسريد واضحة إحصائياً في ذلك التحليل.

وتوجد مراجعات أحدث تشير إلى احتمال وجود تأثيرات على LDL وHDL وثلاثي الغليسريد، لكنها تؤكد أيضاً أن الدراسات البشرية قليلة ومتفاوتة في التصميم والجرعات والمنتجات المستخدمة.

وهذا أمر مهم؛ إذ لا يمكن افتراض أن كل منتجات الغوجي متساوية. فالثمرة الكاملة المجففة ليست بالضرورة مكافئة لمستخلص معياري من عديدات السكاريد.

 

هل توجد جرعة علاجية محددة؟

لا توجد حتى الآن جرعة موحدة يمكن وصفها باعتبارها «جرعة الغوجي لعلاج السكري أو لإنقاص الوزن».

وهذه نقطة تصحح أيضاً بعض المعلومات الشائعة في الأسواق الشعبية، مثل القول إن «حبتين فقط يومياً» هي الجرعة الصحيحة.

هذه ليست جرعة علاجية معيارية مثبتة في الدراسات.

فالتجارب السريرية استخدمت منتجات مختلفة جداً: ثماراً مجففة، وعصائر، ومستخلصات، وعدادات سكاريد منقاة، وبجرعات مختلفة تماماً. ولذلك لا يمكن تحويل نتائج تلك الدراسات إلى قاعدة بسيطة من نوع «حبتين يومياً».

وعند تناوله كغذاء، يمكن التعامل معه مثل بقية الفواكه المجففة: كمية صغيرة ومعتدلة، مع احتسابها ضمن إجمالي الطاقة والكربوهيدرات في النظام الغذائي.

 

هل له أضرار أو تداخلات دوائية؟

كون الغوجي «طبيعياً» لا يعني أنه خالٍ من التداخلات الدوائية.

أهم تداخل موثق يتعلق بـ الوارفارين (مميع للدم). فقد نشرت عدة تقارير حالات عن ارتفاع غير متوقع في INR وحدوث نزف لدى أشخاص يتناولون الوارفارين بعد تناول منتجات تحتوي على Lycium barbarum.

ولهذا ينبغي تنبيه مستخدمي الوارفارين إلى عدم البدء بتناول الغوجي بصورة منتظمة دون مناقشة الأمر مع الطبيب ومراعاة مراقبة INR.

أما بالنسبة لأدوية السكري، فهناك أساس نظري لاحتمال حدوث تأثير إضافي على خفض الغلوكوز، لكن البيانات السريرية المتعلقة بالتداخلات الدوائية المباشرة أقل وضوحاً من بيانات الوارفارين.

 

الخلاصة

الغوجي ثمرة غذائية مثيرة للاهتمام، وليست علاجاً سحرياً.

الدراسات البشرية تشير إلى احتمال وجود تأثير متواضع على بعض مؤشرات استقلاب الغلوكوز، وقد تكون له تأثيرات مفيدة على بعض عوامل الخطر الاستقلابية. لكن حجم الأدلة لا يزال محدوداً، والتجارب صغيرة وقصيرة في كثير من الأحيان، كما أن المنتجات والجرعات المستخدمة ليست متجانسة.

أما بالنسبة إلى إنقاص الوزن، فالأدلة أضعف بكثير. توجد نتائج أولية حول محيط الخصر واستهلاك الطاقة، لكنها لم تتحول إلى دليل مقنع على أن الغوجي يؤدي إلى فقدان وزن مهم ومستمر.

لذلك فإن أفضل طريقة للنظر إليه هي:

الغوجي غذاء يمكن إدخاله باعتدال في نظام غذائي صحي، وقد تكون له فوائد استقلابية محتملة، لكنه لا يعالج السكري ولا يحرق الدهون بصورة مثبتة، ولا ينبغي أن يحل محل الحمية المناسبة أو النشاط البدني أو العلاج الدوائي.

وربما يكون هذا الوصف أقل إثارة من عبارة «فاكهة خارقة»، لكنه أقرب بكثير إلى ما تسمح به الأدلة العلمية الحالية.

ملاحظة طبية: مرضى السكري الذين يتناولون الغوجي بانتظام ينبغي أن يتعاملوا معه كجزء من الوارد الغذائي من الكربوهيدرات، لا كمكمل يخفض السكر، وأن يتجنبوا تعديل جرعات أدوية السكري بناءً على استخدامه وحده. ويستدعي استخدام الوارفارين حذراً خاصاً بسبب التداخلات المبلغ عنها.

 

 

 

   
   
2026-08-31  


لا يوجد تعليقات
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
500حرف