شكراً أم شكرًا؟ حكاية علامة التنوين في تاريخ الكتابة العربية
2026-08-25

ترجمة

 

قد تبدو المسألة شديدة الصغر: عندما نكتب «شكراً» أو «شكرًا»، أين ينبغي أن نضع علامتي التنوين؟ هل تكونان فوق الألف، أم فوق الحرف الذي يسبقها؟

واللافت أن هذا السؤال البسيط يقود إلى تاريخ طويل من تطور الكتابة العربية وضبطها، ويكشف أن ما يظنه كثيرون اليوم قاعدة إملائية محسومة ليس في الحقيقة إلا واحداً من مذاهب متعددة في رسم علامات الضبط.

 

من أين جاءت علامات التشكيل؟

الكتابة العربية الأولى لم تكن بالصورة التي نعرفها اليوم. فالخط العربي المبكر كان في الغالب يخلو من كثير من علامات الإعجام والحركات، ثم تطورت وسائل الضبط تدريجيًا مع اتساع الدولة الإسلامية ودخول أقوام غير عرب في الإسلام، والحاجة إلى الحد من الالتباس في قراءة النص العربي، ولا سيما القرآن الكريم.

ومن المهم هنا التمييز بين رسم الحروف وبين ضبطها. فرسم الكلمة شيء، والعلامات التي نضعها فوق الحروف أو تحتها للدلالة على الحركات والتنوين شيء آخر. وقد تطور الضبط عبر مراحل ومدارس مختلفة، ولم يكن نظاماً واحداً ثابتاً منذ البداية.

وهذا التفريق مهم لفهم الخلاف حول موضع تنوين الفتح.

 

الألف التي نراها في «شكرًا» ليست هي التنوين

عندما نكتب:

شكرًا

فالألف بعد الراء ليست حرفاً أصلياً من بنية الكلمة، وإنما هي ما يعرف في الإملاء الحديث بـ ألف تنوين النصب، وتزاد في كثير من الأسماء المنصوبة.

أما التنوين نفسه فهو صوت نون ساكنة تلحق آخر الاسم لفظاً لا خطاً.

ومن هنا نشأ سؤال قديم: إذا كانت الألف زائدة، فأين ينبغي أن توضع علامة التنوين؟ على الحرف الأصلي الأخير، أم على الألف التي جاءت مع تنوين النصب؟

 

مذهبان قديمان

تظهر المصادر المتخصصة في تاريخ ضبط العربية أن المسألة ليست خلافاً حديثاً بين المعلمين والطلاب.

فقد نسب كتاب «الخلاف في الحركات» الصادر عن مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية وضع شرطي تنوين النصب على الألف إلى أبي محمد الزبيدي، وذكر أن أبا عمرو الداني وابن نجاح وجمهوراً من أهل الضبط والنقط تابعوا هذا المذهب. كما يشير المصدر إلى أن هذا المذهب ظل معمولاً به في ضبط المصاحف في المغرب العربي.

وهذا يعني أن كتابة:

شكراً

ليست اختراعاً حديثاً، ولا خطأً نشأ من سوء تعليم، بل لها أصل في أحد المذاهب القديمة في ضبط العربية.

وفي المقابل استقر عند كثير من المشارقة وضع علامة التنوين على الحرف السابق للألف:

شكرًا

بحيث تكون علامة التنوين على الحرف الأصلي المنوَّن، لا على الألف الزائدة.

وهكذا أصبح لدينا تقليدان في موضع علامة التنوين.

 

لماذا وُضع التنوين على الألف أصلاً؟

المسألة ليست اعتباطية.

منطق مذهب وضع التنوين على الألف يرتبط بأن الوقف على الاسم المنصوب يكون بالألف، ولذلك رأى أصحاب هذا الاتجاه أن وضع علامة التنوين على الألف يتوافق مع موضعها في الرسم والوقف.

وقد نقلت مصادر الضبط عن علماء هذا المذهب تعليلهم بذلك، كما أشارت إلى أن هذا هو المذهب المعمول به في تقاليد الضبط المغربية.

أما المذهب الآخر فينطلق من فكرة مختلفة: التنوين حركة تلحق الحرف الأخير من الكلمة، ولذلك ينبغي أن توضع علامته عليه، كما توضع حركتا الضم والكسر في:

شكرٌ

و

شكرٍ

وبهذا يصبح من المنطقي أن تكون في النصب أيضاً على الحرف نفسه:

شكرًا

وقد أخذت بهذا الاتجاه قواعد الكتابة العربية المعاصرة في كثير من المؤسسات التعليمية واللغوية.

 

هل «شكراً» خطأ إذن؟

هنا تأتي المفاجأة.

لا.

فقد أجاب المستشار اللغوي في مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية عن السؤال نفسه سنة 2022، وذكر صراحة أن رسم تنوين الفتح على الألف أو على الحرف السابق لها كلاهما صحيح ولا يُخطَّأ، مع ترجيح وضعه على الحرف السابق للألف من الناحية القياسية؛ لأن التنوين في الرفع والكسر يوضع على الحرف الأخير، فيكون القياس أن يستمر الأمر نفسه في النصب.

إذن يمكن أن نكتب:

شكراً

ولا نكون قد ارتكبنا خطأ لغوياً.

ويمكن أن نكتب:

شكرًا

ونكون أيضاً موافقين للمذهب الذي ترجحه القواعد الإملائية المعاصرة.

 

ومن هنا تأتي المفارقة

ربما يظن كاتب «شكراً» أنه يخالف القاعدة، بينما الحقيقة أن ما يكتبه له جذور تاريخية في أحد مذاهب ضبط العربية.

وفي المقابل قد يظن كاتب «شكرًا» أنه يستخدم الطريقة الوحيدة الصحيحة، بينما المسألة في أصلها أقدم وأكثر تعقيدًا من ذلك.

وقد أشار مجمع الملك سلمان نفسه إلى تعدد المذاهب في رسم التنوين، ثم رجح في استشارته اللغوية المذهب الذي يضعه على الحرف السابق للألف.

 

ولماذا تختلف الكتابة بين البلدان العربية؟

هنا نصل إلى الظاهرة التي نراها في حياتنا اليومية.

فمن الشائع أن نجد في بعض البيئات العربية، وخصوصاً في بلاد الشام، كتابة:

شكراً، دائماً، أولاً، فعلاً

بينما تنتشر في البيئات التعليمية والإعلامية التي تتبع المعيار الإملائي المشرقي الحديث صيغة:

شكرًا، دائمًا، أولًا، فعلًا

لكن من الخطأ تحويل هذا الاختلاف إلى قاعدة جغرافية صارمة؛ فالمسألة ليست ببساطة «الشام تكتب هكذا ومصر تكتب هكذا». فالاختلاف مرتبط أيضًا بالتقاليد التعليمية، وبالمدرسة الإملائية التي تلقاها الكاتب، وبنوع النص الذي يكتبه.

والأهم أن جذور الخلاف أقدم بكثير من الدول والحدود الحديثة.

 

حتى المصاحف تكشف لنا هذا التاريخ

تزداد المسألة إثارة عندما ننظر إلى المصاحف ذات تقاليد الضبط المختلفة.

فالمصاحف المضبوطة وفق تقاليد مغاربية، ومنها مصاحف بروايات القراءة التي ارتبطت بالمغرب العربي، قد يظهر فيها تنوين الفتح على الألف. وقد أشار المصدر الصادر عن مجمع الملك سلمان إلى هذا التقليد، كما أشار إلى أن مذهب وضع التنوين على الألف ظل حاضرًا في ضبط المصاحف المغربية.

وهذا يؤكد مرة أخرى أن وضع التنوين على الألف ليس مجرد عادة إملائية طارئة.

 

ما الذي تغير إذن؟

الذي تغير ليس اللغة نفسها بقدر ما تغيرت طريقة تقعيد الكتابة وتعليمها.

فالكتابة العربية مرت عبر تاريخ طويل من تعدد طرائق الضبط، ثم جاءت الحاجة في العصر الحديث إلى توحيد الإملاء قدر الإمكان، فاختارت المؤسسات التعليمية واللغوية أحد الوجهين ورجحته.

وهذا أمر طبيعي في تاريخ اللغات: قد توجد أكثر من طريقة صحيحة أو موروثة لتمثيل الظاهرة نفسها، ثم يستقر التعليم الرسمي على إحداها لتسهيل توحيد الكتابة.

 

علامة صغيرة تكشف تاريخاً كبيراً

قد لا يتوقف أحد عند الفرق بين:

شكراً

و

شكرًا

لكن هذه العلامتين الصغيرتين تحملان وراءهما قصة طويلة عن كيفية نشوء الضبط العربي، وعن اختلاف العلماء في تفسير العلاقة بين الحرف وحركة الإعراب، وعن مدارس المشارقة والمغاربة، وعن انتقال العربية من تقاليد المخطوطات إلى الإملاء المدرسي الحديث.

ولذلك فإن السؤال: «أيهما صحيح؟» ليس أفضل سؤال يمكن طرحه.

السؤال الأدق هو:

كيف نشأ الوجهان، ولماذا استمر كلاهما حتى اليوم؟

وعندها نكتشف أن ما يبدو لنا خلافًا إملائياً بسيطاً ليس إلا أثرًا صغيراً من آثار التاريخ الطويل للكتابة العربية.

وربما لهذا السبب، عندما نكتب في نهاية رسالة:

شكراً

أو:

شكرًا

فنحن، من حيث لا نشعر، نشارك في خلاف عمره قرون.

 

 

 

   
   
2026-08-25  


لا يوجد تعليقات
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
500حرف