أقداركم تؤخذ من أفواهكم
2026-08-23

ترجمة

 

تبدو عبارة «أقداركم تؤخذ من أفواهكم» للوهلة الأولى أقرب إلى الحكمة منها إلى العلم. فهل يمكن فعلاً أن يكون لما نقوله عن أنفسنا وعن مستقبلنا تأثير في النتائج التي نصل إليها؟

العلم لا يقول إن الإنسان يستطيع أن ينطق بجملة، فيتغير العالم الخارجي استجابة لها. لا توجد آلية علمية تجعل قول «سأنجح» سبباً مباشراً للنجاح، أو قول «سأفشل» سبباً حتمياً للفشل.

لكن الصورة تصبح أكثر إثارة عندما ننظر إلى ما يحدث بين الكلمة والنتيجة.

فالكلمات التي نكررها عن أنفسنا قد تعكس معتقداتنا وتوقعاتنا، وهذه التوقعات يمكن أن تؤثر في الانتباه والدافعية واتخاذ القرار والسلوك والتفاعل مع الآخرين. وفي بعض الظروف، يمكن لهذه السلسلة أن تجعل النتيجة النهائية أقرب إلى التوقع الذي بدأ بها.

بعبارة مختصرة:

الكلمة لا تغيّر الواقع مباشرة، لكنها قد تغيّر الإنسان الذي يتعامل مع الواقع.

وهنا يبدأ الجانب العلمي الحقيقي من الموضوع.

 


من «الكلمة» إلى «النتيجة»

يمكن تصور المسار على النحو التالي:

كلمة متكررة

فكرة أو اعتقاد

توقع للمستقبل

تغير في المشاعر والدافعية والانتباه

تغير في السلوك والقرارات

تغير في التفاعل مع البيئة والآخرين

احتمال تغير النتيجة

إذن لا توجد قفزة سحرية من الكلام إلى القدر.

هناك سلسلة من العمليات النفسية والسلوكية.

وهذا التمييز مهم؛ لأنه يفصل بين ما يمكن دعمه بالأبحاث العلمية وبين الاعتقاد الشائع بأن مجرد التفكير في شيء يجعله يحدث.

 


النبوءة التي تحقق ذاتها

من أكثر المفاهيم ارتباطاً بهذه الفكرة ما يعرف في علم النفس بـ النبوءة التي تحقق ذاتها (Self-Fulfilling Prophecy).

والمقصود بها أن توقعاً أو اعتقاداً معيناً قد يؤدي إلى سلوكيات تجعل النتيجة المتوقعة أكثر احتمالاً للحدوث.

وقد أصبحت هذه الظاهرة موضوعاً واسعاً للبحث في علم النفس الاجتماعي والتربوي، حيث أظهرت الدراسات أن توقعات الأشخاص يمكن أن تؤثر في طريقة تعاملهم مع الآخرين، وأن هذا التعامل قد يؤدي بدوره إلى سلوك يتوافق مع التوقع الأصلي.

لنأخذ مثالاً بسيطاً.

شخص يعتقد:

«الناس لا يحبونني.»

هذا الاعتقاد قد يجعله يدخل العلاقات الاجتماعية متوتراً ودفاعياً، ويتجنب المبادرة، ويفسر الإشارات المحايدة على أنها رفض.

وقد يؤدي ذلك إلى أن يصبح الآخرون أقل ارتياحاً في التعامل معه.

فيبتعدون عنه.

ثم يقول:

«كنت أعرف أنهم لا يحبونني.»

هنا لم تكن الجملة الأولى قوة خارقة جعلت الناس يكرهونه.

لكن الاعتقاد غيّر سلوكه، وسلوكه أثّر في الآخرين، وتفاعل الآخرين عزز الاعتقاد الأصلي.

وهذه هي الفكرة الأساسية للنبوءة التي تحقق ذاتها.


التوقع لا يصف المستقبل فقط؛ قد يشارك في صنعه

عادةً ننظر إلى التوقع باعتباره محاولة لمعرفة المستقبل:

«أعتقد أنني سأفشل.»

لكن التوقع يمكن أن يصبح أيضاً عاملاً يؤثر في السلوك الذي سيقود إلى ذلك المستقبل.

إذا اعتقد الطالب أنه لن ينجح مهما درس، فقد يقل حافزه، ويتجنب المذاكرة، ويستسلم سريعاً أمام الصعوبات.

ثم يحصل على نتيجة سيئة.

وهكذا يبدو أن توقعه كان صحيحاً.

لكن التسلسل الحقيقي قد يكون:

توقع الفشل → انخفاض الجهد → ضعف الاستعداد → أداء أسوأ → الفشل.

في هذه الحالة لم يتنبأ الإنسان بالمستقبل فحسب؛ بل ساهم سلوكه الناتج عن توقعه في إنتاج النتيجة.

وقد وثقت الأدبيات العلمية هذه الآليات في مجالات مختلفة، مع التأكيد على أن حجم التأثير ليس ضخماً أو ثابتاً في جميع الظروف.

 


ولكن تأثير التوقعات ليس مطلقاً

وهنا يجب الحذر من المبالغة.

ليس كل توقع يتحول إلى حقيقة.

وليس كل شخص يعتقد أنه سينجح ينجح.

وليس كل شخص يتوقع الفشل يفشل.

فالتوقعات تعمل ضمن شبكة معقدة من العوامل: المهارات، والموارد، والظروف الاجتماعية، والفرص، والحظ، والصحة، والقرارات السابقة، وسلوك الآخرين، والظروف الاقتصادية وغيرها.

بل إن مراجعات علمية انتقدت أحياناً المبالغة في تقدير قوة «النبوءة التي تحقق ذاتها»، وأشارت إلى أن بعض تأثيرات التوقعات تكون صغيرة أو محدودة أو تعتمد على السياق.

وهذه نقطة تجعل التفسير العلمي أكثر قوة، لا أقل.

فالقول إن «الكلمات تصنع القدر» تبسيط.

أما القول إن الكلمات يمكن أن تكون أحد العوامل التي تدخل في سلسلة تؤثر في السلوك والنتائج فهو أقرب إلى الأدلة.

 


الحديث مع النفس: ماذا يحدث عندما نتحدث إلى أنفسنا؟

نحن لا نتوقف عن الكلام لمجرد أننا أصبحنا وحدنا.

فالإنسان يمارس باستمرار ما يسمى الحديث الذاتي (Self-Talk).

قد يكون:

«اهدأ.»

«ركز.»

«أستطيع التعامل مع هذا.»

أو:

«أنا دائماً أخطئ.»

«لا أستطيع.»

«سأفشل كما حدث في المرة السابقة.»

وهذا الحديث ليس مجرد أصوات داخلية عديمة التأثير.

هناك أدلة تجريبية على أن بعض أشكال الحديث الذاتي يمكن أن تؤثر في الأداء، خصوصاً عندما تكون الكلمات ذات طبيعة تعليمية أو تنظيمية وتوجه الانتباه إلى ما ينبغي فعله.

وفي تحليل تلوي شمل 32 دراسة و62 حجم تأثير، وجد Hatzigeorgiadis وزملاؤه تأثيراً إيجابياً متوسطاً لتدخلات الحديث الذاتي على الأداء الرياضي، مع اختلاف التأثير بحسب نوع المهمة وطبيعة الحديث الذاتي.

وهذا مثال مهم:

الكلمة هنا لا تغيّر العالم؛ إنها تساعد على توجيه السلوك والأداء.

 


ليست كل الكلمات الإيجابية مفيدة

ربما تكون هذه أكثر النتائج إثارة للاهتمام.

قد يبدو منطقياً أن نقول:

«إذا كانت الكلمات تؤثر فينا، فلنكرر كلمات إيجابية طوال الوقت.»

لكن الدراسات لا تدعم هذه القاعدة بهذه البساطة.

في دراسة شهيرة نشرت عام 2009 في مجلة Psychological Science، اختبر الباحثون تأثير تكرار عبارات إيجابية عن الذات.

وكانت النتيجة مفاجئة:

الأشخاص ذوو تقدير الذات المنخفض الذين كرروا عبارة إيجابية مثل «أنا شخص محبوب» لم يشعروا بالتحسن؛ بل شعر بعضهم بسوء أكبر مقارنة بمن لم يكرروا العبارة. أما أصحاب تقدير الذات المرتفع فظهر لديهم تحسن، لكنه كان محدوداً.

وهذا يعني أن:

«فكر بإيجابية» ليست قاعدة علمية كافية.

فإذا كانت العبارة التي نكررها تتعارض بشدة مع الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه، فقد لا تساعده، بل قد تزيد التناقض الداخلي.

 


الإيجابية الواقعية أقوى من الإيجابية الوهمية

هناك فرق كبير بين أن تقول:

«أنا عبقري وسأنجح حتماً.»

وبين:

«قد تكون المهمة صعبة، لكن يمكنني تحسين فرص نجاحي بالتدريب.»

الجملة الثانية لا تنكر الواقع.

إنها تعترف بالصعوبة، لكنها تركز على القدرة على الفعل.

وهذا أكثر أهمية من مجرد محاولة إقناع النفس بأن كل شيء سيكون رائعاً.

فالهدف ليس أن نكذب على أنفسنا، وإنما أن نستخدم الكلام لتوجيه الانتباه نحو ما يمكن فعله.

 


من الأمنيات إلى الفعل

هناك فرق جوهري بين التخيل الإيجابي وبين التوقع الذي يقود إلى العمل.

قد يتخيل شخص نجاحه ويتوقف عند الصورة الجميلة للمستقبل.

وقد يتخيل شخص آخر النجاح، لكنه في الوقت نفسه يحدد العقبات التي تقف أمامه والطريقة التي سيتعامل بها معها.

تشير أبحاث Oettingen إلى أن مجرد التخيل الإيجابي للمستقبل لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الالتزام بالسلوك المطلوب، بينما يمكن أن يكون الجمع بين تصور المستقبل المرغوب والانتباه إلى العقبات الواقعية أكثر ارتباطاً بالالتزام والعمل.

وهنا يظهر مبدأ مهم:

لا يكفي أن تقول ما تريد؛ يجب أن ترى أيضاً ما الذي يمنعك من الوصول إليه.

 


الكلمات قد تغير طريقة رؤيتنا للمشكلة

عندما يقول شخص:

«هذا مستحيل.»

فهو لا يقدم وصفاً محايداً للمشكلة.

قد يغلق بذلك باب البحث عن الحلول قبل أن يبدأ.

أما إذا قال:

«لا أعرف كيف أحل هذه المشكلة بعد.»

فهو يترك الباب مفتوحاً.

الفرق بين الجملتين صغير لغوياً، لكنه كبير نفسياً:

«لا أستطيع» تعطي المشكلة صفة ثابتة.

أما:

«لا أستطيع الآن» فتجعلها حالة قابلة للتغير.

وهذا النوع من اللغة قد يؤثر في مقدار الجهد الذي يبذله الإنسان وفي استعداده لتجربة حلول جديدة.

 


ماذا يحدث عندما يكرر الإنسان عبارة لسنوات؟

هنا تصبح المسألة أكثر عمقاً.

هناك فرق بين شخص يقول مرة:

«ربما لا أنجح في هذا المشروع.»

وبين شخص يكرر منذ سنوات:

«أنا فاشل.»

الأولى تقييم لموقف.

أما الثانية فقد تتحول تدريجياً إلى تعريف للذات.

وعندما تصبح الفكرة جزءاً من هوية الإنسان، فإنها قد تؤثر في تفسيره للأحداث.

إذا نجح، قد يقول:

«كان مجرد حظ.»

وإذا فشل:

«هذا يؤكد أنني فاشل.»

وهكذا يصبح الاعتقاد أكثر مقاومة للمعلومات التي تناقضه.

والإنسان لا يتعامل مع العالم من خلال الأحداث وحدها؛ بل من خلال تفسيره لهذه الأحداث.

 


تأثير كلام الآخرين قد يكون أقوى

ليس الإنسان هو المصدر الوحيد للتوقعات.

فالوالدان، والمعلمون، والأطباء، والمديرون، والأصدقاء، وحتى المجتمع، يرسلون باستمرار رسائل عن قدرات الشخص ومستقبله.

قد يسمع الطفل:

«أنت لا تفهم الرياضيات.»

أو:

«أنت تستطيع التعلم، لكنك تحتاج إلى مزيد من التدريب.»

والرسالتان ليستا متساويتين.

في الأولى، تُقدَّم القدرة وكأنها صفة ثابتة.

في الثانية، تُقدَّم المهارة كشيء يمكن تطويره.

وقد أظهرت أبحاث واسعة في مجال تأثيرات التوقعات الاجتماعية أن توقعات الآخرين يمكن أن تؤثر في سلوكهم تجاه الشخص، وأن هذا السلوك قد يؤدي في بعض الحالات إلى نتائج تتوافق جزئياً مع تلك التوقعات.

 


هل يمكن أن يؤثر التوقع في الجسم؟

هنا نصل إلى مجال أكثر إثارة للاهتمام: تأثيرات التوقع في الصحة.

تظهر أبحاث الـ Placebo وNocebo أن توقع الإنسان لما سيحدث يمكن أن يؤثر في بعض الأعراض والاستجابات الفسيولوجية.

وتُعد التوقعات والتعلم والسياق من الآليات المهمة في تأثيرات الـplacebo، بينما يمكن للتوقعات السلبية أن تسهم في ظاهرة الـnocebo، بما في ذلك زيادة بعض الأعراض أو الآثار الجانبية المتوقعة.

وقد كشفت أبحاث علم الأعصاب عن ارتباط هذه الظواهر بتغيرات في نشاط شبكات دماغية وعمليات عصبية وكيميائية متعددة، خصوصاً في مجالات مثل الألم والانفعال والاستجابة للعلاج.

لكن يجب عدم إساءة تفسير ذلك.

هذا لا يعني أن:

«فكر أنك سليم وستشفى من أي مرض.»

ولا يعني أن المريض تسبب في مرضه لأنه فكر بطريقة سلبية.

التوقع يمكن أن يعدل بعض الاستجابات والأعراض والوظائف، لكنه ليس بديلاً عن السبب العضوي والعلاج الطبي.

 


لماذا لا ينبغي أن نخاف من الكلمات؟

قد يؤدي فهم هذه الظواهر بطريقة خاطئة إلى اعتقاد مزعج:

«إذا قلت شيئاً سيئاً فسوف يحدث.»

وهذا غير صحيح.

قد يقول شخص:

«أخشى أن أفشل.»

ولا يفشل.

وقد يقول:

«سأنجح بالتأكيد.»

ثم يفشل.

الكلمات ليست تعويذات.

ولا تمتلك قدرة مستقلة على التحكم في الأحداث الخارجية.

الأهم هو ما إذا كانت الكلمات تعكس اعتقاداً يوجه السلوك.

وهذا يضع التأثير في مكانه الصحيح:

ليست الكلمة هي التي تصنع النتيجة؛ إنما قد تكون جزءاً من الآلية التي تقود إليها.

 


إذن، ما الذي يمكن أن نأخذه من العبارة؟

إذا أردنا تحويل «أقداركم تؤخذ من أفواهكم» إلى صياغة علمية، فقد تكون:

«ما تكرره عن نفسك قد يؤثر في ما تتوقعه، وما تتوقعه قد يؤثر في سلوكك، وسلوكك قد يغير بعض النتائج التي تصل إليها.»

وهذه الصياغة أقل شاعرية، لكنها أكثر دقة علمياً.

فالكلمات قد:

  • توجه الانتباه.
  • تؤثر في التوقعات.
  • تعدل الدافعية.
  • تؤثر في طريقة تفسير الأحداث.
  • تساعد على تنظيم السلوك.
  • تؤثر في التفاعل الاجتماعي.
  • وفي بعض السياقات، تعدل إدراك الأعراض والاستجابات الفسيولوجية.

لكنها لا تلغي الواقع ولا تلغي العوامل الخارجية ولا تضمن نتيجة محددة.

 


ما الذي ينبغي أن نقوله لأنفسنا؟

ليس المطلوب أن نعيش في عالم من العبارات الإيجابية المصطنعة.

الأفضل أن تكون اللغة التي نستخدمها مع أنفسنا واقعية، مرنة، وموجهة نحو الفعل.

بدلاً من:

«أنا لا أستطيع.»

الأفضل:

«لا أستطيع ذلك الآن، لكن يمكنني أن أتعلم.»

بدلاً من:

«سأفشل بالتأكيد.»

الأفضل:

«هناك احتمال للفشل، لكن يمكنني زيادة فرص النجاح بالاستعداد.»

بدلاً من:

«الأمر مستحيل.»

الأفضل:

«لا أرى الحل حالياً، فلأبحث عن طريقة أخرى.»

وبدلاً من:

«كل شيء سيكون ممتازاً.»

الأفضل:

«قد تواجهني مشكلات، لكن يمكنني التعامل معها عندما تظهر.»

هذه ليست مجرد عبارات تفاؤلية؛ إنها طرق أكثر واقعية لتنظيم التفكير والسلوك.

 


الخلاصة

لا يستطيع الإنسان أن يحدد مستقبله بمجرد الكلمات.

لكن من الخطأ أيضاً اعتبار الكلمات مجرد أصوات بلا تأثير.

فالإنسان يتكلم، ثم يفكر وفق ما يقوله، ويتوقع، ويتصرف، ويتخذ قرارات، ويتفاعل مع الآخرين. وهذه السلسلة قد تغير بعض النتائج التي يصل إليها.

ولهذا يمكن فهم العبارة:

«أقداركم تؤخذ من أفواهكم»

على نحو علمي مجازي، لا باعتبارها قانوناً غيبياً، وإنما باعتبارها إشارة إلى علاقة معقدة بين اللغة والتوقع والسلوك والنتيجة.

والفكرة الأهم ليست:

«قل ما تريد، وسيحدث.»

بل:

«انتبه لما تقوله عن نفسك؛ فقد يصبح كلامك اعتقاداً، وقد يصبح اعتقادك سلوكاً، وقد يصبح سلوكك جزءاً من مستقبلك.»

وهنا تكمن القوة الحقيقية للكلمات.

ليست في أنها تتحكم في العالم، وإنما في أنها قد تغيّر الشخص الذي يتحرك داخل هذا العالم.

 

 

 

   
   
2026-08-23  


لا يوجد تعليقات
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
500حرف