كيف يعثر الكلب البوليسي على المجرمين والمفقودين
2026-05-17

ترجمة

 

منذ آلاف السنين لاحظ الإنسان قدرة الكلاب على تتبع الفرائس والأشخاص عبر الروائح، لكن العلم الحديث كشف أن ما يفعله الكلب ليس مجرد “شم” بالمعنى البسيط، بل عملية تحليل كيميائي معقدة تقترب من عمل أجهزة الاستشعار المتقدمة. فالكلب البوليسي لا يبحث عن صورة بصرية أو علامة ظاهرة، وإنما يتعامل مع عالم كامل من الجزيئات الكيميائية العالقة في الهواء وعلى الأرض والملابس والأجسام. ولهذا السبب ما تزال الكلاب تُستخدم حتى اليوم في الشرطة والجمارك والإنقاذ، رغم التطور الكبير في تقنيات الاستشعار الإلكترونية.

 

تكمن الفكرة الأساسية في أن الكلب يمتلك جهازاً شميّاً يفوق الإنسان بفارق هائل. تشير الدراسات إلى أن عدد المستقبلات الشمية لدى الكلاب قد يصل إلى أكثر من 200 مليون مستقبل، بينما لا يمتلك الإنسان سوى بضعة ملايين فقط. كذلك فإن الجزء المسؤول عن معالجة الروائح في دماغ الكلب أكبر نسبياً بكثير مقارنة بالإنسان. وهذا لا يعني أن الكلب “يشم أكثر” فقط، بل يعني أنه يميّز الفروق الدقيقة جداً بين الروائح ويحللها بطريقة معقدة.

 

عندما يتحرك الإنسان في مكان ما، فإنه يترك خلفه أثراً كيميائياً مستمراً. الجلد البشري يفقد آلاف الخلايا الميتة كل دقيقة، كما يطرح الجسم العرق والزيوت الجلدية والمركبات العضوية المتطايرة. وتعيش على جلد الإنسان أنواع مختلفة من البكتيريا التي تنتج بدورها مركبات ذات روائح مميزة. هذا الخليط يشكل ما يمكن وصفه بالبصمة الرائحية الخاصة بكل شخص. ولذلك تستطيع الكلاب المدربة التمييز بين آثار أشخاص مختلفين حتى في البيئات المزدحمة.

 

ولا يعتمد الكلب على قوة الرائحة وحدها، بل على اتجاهها وتغيرها أيضاً. فأنفه مصمم بطريقة تسمح بتحديد مصدر الرائحة بدقة عبر مقارنة تركيز الجزيئات الداخلة من كل فتحة أنف. يشبه ذلك إلى حد ما قدرة الإنسان على تحديد اتجاه الصوت عبر الفرق بين ما تسمعه الأذنان. وإذا ازدادت شدة الرائحة في جهة معينة، يدرك الكلب أنه يقترب من الهدف. أما إذا ضعفت أو انقطعت، فإنه يبدأ بالبحث عن المسار الذي يستعيد فيه الإشارة الكيميائية.

 

كما أن طريقة تنفس الكلب تلعب دوراً أساسياً في هذه القدرة. فعندما يلهث أو يشنشق بسرعة، يتدفق الهواء داخل الأنف بطريقة تتيح توجيه جزء منه مباشرة إلى المناطق الشمية دون أن يختلط بالكامل بتيار التنفس العادي. كذلك يخرج الزفير من جوانب الأنف، ما يمنع تشتيت الجزيئات التي يحاول الكلب تحليلها. وبهذه الآلية يستطيع الكلب أخذ “عينات” متتالية وسريعة من الروائح المحيطة أثناء الحركة.

 

ولا يقتصر الأمر على تتبع الرائحة الطازجة فقط، بل يستطيع الكلب قراءة الزمن التقريبي للأثر. فالمركبات الكيميائية تتغير مع الوقت بفعل الحرارة والرطوبة والهواء وأشعة الشمس. بعض الجزيئات يتبخر سريعاً، وبعضها يتحلل أو ينتشر بعيداً عن مصدره. الكلاب المدربة تتعلم عملياً تمييز الفروق بين الأثر الحديث والأثر القديم، ولذلك يمكنها اختيار الاتجاه الأحدث ضمن عدة مسارات متقاطعة.

 

وتزداد هذه القدرة أهمية في الأعمال الشرطية والجنائية. ففي كثير من القضايا تعتمد فرق البحث على الكلاب لتتبع أشخاص مفقودين أو هاربين حتى بعد مرور ساعات طويلة. وفي بعض الحالات استطاعت كلاب التتبع العثور على أشخاص مختبئين داخل الغابات أو المباني المهجورة رغم غياب أي أثر بصري واضح. كما تستخدم الكلاب في كشف المخدرات والمتفجرات، لأن بعض المركبات الكيميائية المرتبطة بهذه المواد تصدر روائح مميزة حتى بكميات ضئيلة جداً لا تستطيع الأجهزة التقليدية التقاطها بسهولة.

 

ومن الأمثلة اللافتة استخدام الكلاب في البحث والإنقاذ بعد الكوارث الطبيعية. فعقب الزلازل أو انهيار المباني قد تعجز الكاميرات وأجهزة الاستشعار عن الوصول إلى الضحايا تحت الأنقاض، بينما تستطيع الكلاب التقاط آثار بشرية دقيقة صادرة عن التنفس أو العرق أو الجلد. وقد سجلت عمليات إنقاذ عديدة حول العالم لعبت فيها الكلاب دوراً حاسماً في تحديد مواقع ناجين لم يكن من الممكن العثور عليهم بسرعة بالوسائل الأخرى.

 

وفي السنوات الأخيرة توسعت الأبحاث إلى مجالات طبية أيضاً. فقد أظهرت تجارب متعددة أن بعض الكلاب تستطيع التمييز بين عينات مرتبطة بأنواع معينة من السرطان أو انخفاض سكر الدم لدى مرضى السكري أو حتى التنبؤ ببعض نوبات الصرع قبل وقوعها. والسبب في ذلك أن الأمراض قد تغيّر التركيب الكيميائي للعرق أو النفس أو البول، فتظهر مركبات جديدة أو تتغير نسب المركبات المعتادة. وما يزال هذا المجال قيد الدراسة، لكنه يكشف مدى الحساسية المذهلة للجهاز الشمي لدى الكلاب.

 

ورغم التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار الكيميائي، ما تزال محاكاة أنف الكلب تمثل تحدياً كبيراً. فالأجهزة الإلكترونية تستطيع تحليل مركبات محددة بدقة عالية داخل المختبرات، لكنها غالباً أقل مرونة في البيئات الواقعية المعقدة. أما الكلب فيمتلك نظاماً بيولوجياً قادراً على التكيف الفوري مع الظروف المتغيرة، وتحليل خليط ضخم من الإشارات الكيميائية بالتزامن مع الحركة واتخاذ القرار. ولهذا السبب لا تزال الكلاب تستخدم حتى في أكثر المؤسسات الأمنية والتقنية تقدماً.

 

إن قدرة الكلب على اقتفاء الأثر ليست مهارة غامضة أو خارقة للطبيعة، بل نتيجة تطور بيولوجي طويل أنتج واحداً من أعقد أنظمة التحليل الكيميائي في عالم الحيوان. فالكلب لا يرى العالم كما يراه الإنسان، بل يعيش داخل طبقة خفية من الإشارات الكيميائية التي نعجز نحن غالباً عن إدراكها. وما يفعله أثناء التتبع ليس مجرد شم للرائحة، وإنما قراءة مستمرة لخريطة غير مرئية من الآثار الجزيئية التي تتركها الكائنات والأشياء في كل مكان تمر به.

 

 

   
   
2026-05-17  
الوسوم: حاسة_الشم - كلب


لا يوجد تعليقات
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
500حرف