يُعد الجينز واحداً من أكثر قطع الملابس انتشاراً في العالم اليوم، حيث يرتديه الجميع بلا استثناء: الأطفال والشباب، النساء والرجال، وحتى مشاهير السياسة والفن. لكن وراء هذه القطعة البسيطة تاريخ طويل بدأ قبل أكثر من 150 عاماً، وانتقل من مجرد لباس عملي متين إلى رمز ثقافي واجتماعي يعكس التغيير في أنماط الحياة والأذواق.
البدايات: في فرنسا ثم أمريكا
تعود أصول كلمة جينز (Jeans) إلى مدينة جنوى الإيطالية التي كانت تصدّر قماشاً أزرق متيناً يُستخدم في ملابس البحارة. أما القماش نفسه فكان يُعرف باسم دينم (Denim)، وهو نسيج قطني قوي صُنع لأول مرة في مدينة نيم الفرنسية (De Nîmes)، ومنها اشتُق اسمه.
في منتصف القرن التاسع عشر، ومع اندفاع المهاجرين إلى كاليفورنيا خلال "حمّى الذهب"، كان العمال بحاجة إلى ملابس عملية تتحمل العمل الشاق. هنا ظهر ليفاى شتراوس (Levi Strauss)، تاجر الأقمشة الألماني الأصل، الذي استقر في سان فرانسيسكو عام 1853. تعاون شتراوس مع الخياط جاكوب ديفيس لتطوير سراويل مصنوعة من قماش الدينم، مدعّمة بالمسامير المعدنية في الجيوب لتزيد متانتها. وفي عام 1873 حصل الاثنان على براءة اختراع لهذا الابتكار، لتبدأ قصة الجينز الحديثة.
من لباس العمّال إلى الشباب الثائر
طوال عقود، كان الجينز يُعتبر لباساً وظيفياً يرتديه عمال المناجم والمزارعون والميكانيكيون. لكن مع منتصف القرن العشرين، تغيّرت صورته جذرياً. في خمسينيات القرن الماضي، ارتبط الجينز برموز الشباب المتمرّدين مثل جيمس دين ومارلون براندو في أفلام هوليوود، فصار يرمز إلى الحرية والتمرّد على التقاليد.
في الستينيات والسبعينيات، دخل الجينز عالم الثقافة المضادّة، فارتداه الهيبيون وزُيّن بالتطريزات والرسومات كشكل من أشكال التعبير الفني والسياسي. أما في الثمانينيات والتسعينيات، فقد تبنّته بيوت الأزياء الكبرى، ليصبح قطعة أساسية في الموضة الراقية.
جينز اليوم: رمز عالمي متجدّد
اليوم، يُباع سنوياً أكثر من ملياري قطعة جينز حول العالم، في مختلف الأشكال: الضيق (Skinny)، الواسع (Baggy)، الممزق (Ripped)، أو الكلاسيكي الأزرق. ولم يعد مجرد لباس، بل تحوّل إلى لغة عالمية للهوية الفردية والتعبير عن الذات.
كما دخلت الاستدامة في صناعة الجينز على خط التطوير، مع ابتكارات لتقليل استهلاك المياه والمواد الكيميائية في عمليات الغسيل والصباغة، لتلبية وعي المستهلك الحديث بقضايا البيئة.
خلاصة
من مناجم الذهب في كاليفورنيا إلى منصات عروض الأزياء في باريس وميلانو، قطع الجينز رحلة طويلة عبر الزمن والثقافات. لقد بدأ كلباس عملي للعمال، لكنه سرعان ما تحوّل إلى رمز عالمي يجمع بين البساطة والحداثة، وبين العمل والفن، ليظل حاضراً في خزانة كل إنسان تقريباً.