الحياة اليومية مليئة بالأصوات والحركات التي يمر بها الجميع دون اكتراث. ومع ذلك، هناك بعض الأفراد الذين يعانون من استجابة حسية مفرطة لهذه المحفزات، وهي حالات تُعرف بميسوفونيا وميسوكينيسيا. سنستعرض في هذا المقال مفهوم كل من الاضطرابين وتأثيرهما على حياة الأشخاص الذين يعانون منهما.
ما هي ميسوفونيا (Misophonia)؟
ميسوفونيا تعني حرفياً "كره الأصوات"، وهو اضطراب عصبي يجعل الشخص يشعر برد فعل عاطفي شديد تجاه أصوات معينة. غالباً ما تكون هذه الأصوات شائعة وغير مزعجة لمعظم الناس، مثل:
-
مضغ الطعام أو الشراب.
-
النقر بالأقلام.
-
صوت التنفس أو الشخير.
الأعراض:
-
إحساس فوري بالغضب أو الإزعاج عند سماع الصوت المثير.
-
تسارع نبضات القلب والتوتر العصبي.
-
في بعض الحالات، يؤدي إلى الرغبة في الهروب من المكان.
ما هي ميسوكينيسيا (Misokinesia)؟
ميسوكينيسيا، أو "كره الحركات"، هي استجابة حسية مفرطة للحركات المتكررة التي يقوم بها الآخرون. الأمثلة الشائعة تشمل:
-
هز الأرجل بشكل متكرر.
-
النقر بالأصابع.
-
الحركات اللاإرادية الصغيرة التي تكون عادةً غير ملحوظة.
الأعراض:
-
شعور بالضيق أو الانزعاج عند رؤية الحركة.
-
فقدان التركيز أو صعوبة في إكمال المهام.
-
أحياناً يؤدي إلى أعراض جسدية كالتوتر العضلي.
أسباب ميسوفونيا وميسوكينيسيا
على الرغم من أن الأبحاث حول هذين الاضطرابين لا تزال في مراحلها الأولية، إلا أن هناك مجموعة من العوامل المحتملة التي قد تكون سبباً في تطورهما، وهي تشمل:
1. عوامل عصبية:
-
فرط نشاط الدماغ:
أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي أن الأشخاص المصابين بميسوفونيا لديهم نشاط غير طبيعي في القشرة الجزيرية الأمامية (Anterior Insular Cortex)، وهي جزء من الدماغ مرتبط بمعالجة العواطف والاستجابة الحسية.
-
ربط غير متوازن:
قد يكون هناك تواصل مفرط بين المناطق السمعية والبصرية في الدماغ وبين المناطق المسؤولة عن ردود الأفعال العاطفية، مما يؤدي إلى استجابات مفرطة للمحفزات الحسية.
2. عوامل وراثية:
-
أظهرت بعض الدراسات أن هناك قابلية وراثية للإصابة بميسوفونيا أو ميسوكينيسيا. إذا كان أحد أفراد العائلة يعاني من هذه الحالة، فقد يكون لدى الشخص احتمال أكبر للإصابة.
3. التعلم الشرطي (Conditioning):
-
في بعض الحالات، يمكن أن يتطور الاضطراب نتيجة تجربة سلبية سابقة.
-
مثلاً: إذا شعر شخص بضيق أو غضب أثناء سماعه لصوت مضغ في موقف معين، قد يرتبط هذا الصوت في ذهنه بالاستجابة العاطفية السلبية، وتتكرر الحالة بعد ذلك مع أي صوت مشابه.
4. العوامل النفسية:
-
الأشخاص الذين يعانون من مستويات عالية من القلق أو التوتر المزمن قد يكونون أكثر عرضة لتطوير استجابات مفرطة للأصوات أو الحركات.
-
تشير بعض الدراسات إلى أن ميسوفونيا وميسوكينيسيا قد تكونان مرتبطتين بـ الاضطرابات الحسية الأخرى مثل اضطراب القلق العام (GAD) أو اضطراب الوسواس القهري (OCD)
5. الخصائص الشخصية:
-
الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من الحساسية العاطفية أو الحسية قد يكونون أكثر عرضة للإصابة.
-
بعض الدراسات ربطت هذه الحالات بالأشخاص الذين لديهم وعي مفرط بالبيئة المحيطة.
6. عوامل بيئية:
-
التعرض المستمر أو المفرط لأصوات أو حركات معينة خلال الطفولة قد يزيد من احتمالية تطور هذه الاضطرابات.
7. اختلال تنظيم الاستجابات الحسية:
-
يُعتقد أن الدماغ قد يكون أقل كفاءة في تصفية المحفزات الحسية غير الضرورية، مما يؤدي إلى استجابات مفرطة للمؤثرات العادية مثل الأصوات أو الحركات المتكررة.
الفرق بين ميسوفونيا وميسوكينيسيا
على الرغم من أن كلا الاضطرابين يتعلقان بحساسية مفرطة تجاه محفزات غير مزعجة للآخرين، إلا أن الفرق الأساسي يكمن في نوع التحفيز:
-
ميسوفونيا تتعلق بالأصوات.
-
ميسوكينيسيا تتعلق بالحركات.
ومع ذلك، فإن بعض الأفراد قد يعانون من الاضطرابين معاً، مما يزيد من تعقيد حالتهم اليومية.
كيفية التعامل مع ميسوفونيا وميسوكينيسيا
لا يوجد علاج محدد حتى الآن، ولكن هناك طرق تساعد في تحسين الأعراض:
-
التوعية الذاتية: فهم الحالة ومسبباتها يمكن أن يساعد الشخص على التعامل مع المواقف بشكل أفضل.
-
العلاج النفسي:
-
العلاج السلوكي المعرفي (CBT) يُستخدم لتقليل الاستجابات العاطفية المفرطة.
-
تقنيات الاسترخاء كالتنفس العميق أو التأمل.
-
الأجهزة الصوتية: تساعد في تقليل حدة الأصوات المزعجة من خلال توليد أصوات مهدئة.
-
التواصل مع المحيطين: شرح الحالة للأصدقاء والعائلة يساعد في تقليل المواقف المحرجة.
تأثير الاضطرابين على جودة الحياة
يمكن لميسوفونيا وميسوكينيسيا أن يكونا عبئاً نفسياً واجتماعياً كبيراً، ولكن بفضل التوعية المتزايدة والبحث العلمي المستمر، يمكن تحسين حياة المصابين بهما.
إن تقبل هذه الاضطرابات كجزء من التنوع البشري وتقديم الدعم العاطفي والاجتماعي للمصابين يمكن أن يساهم في تعزيز شعورهم بالانتماء وتحقيق حياة أكثر توازناً.